رفيق العجم

المقدمة 23

موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي

عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد وأمثاله ، ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فموآخذ بما صدر عنه ، من ذلك إذا لم يتبيّن لنا ما يحملنا على تأويل كلامه ، وأما من تكلّم بمثلها وهو حاضر في حسّه ولم يملكه الحال فموآخذ أيضا . . . » « 1 » وكذلك سيرد في المعجم عشرات الأمثلة والأقوال التي عدّها الكثير من الشطح المرفوض كشطحات الحلاج وغيره . ومن لغة التصوف أيضا التعريفات المباشرة التي وردت لدى الطوسي والقشيري وابن عربي والقاشاني . وفيها من لغة التحديد المباشر الذي يختصر رأي المتصوفة ويجمعه ويعبّر عنه بأصدق عبارة وأوجز رأي مركّز مختصر . وقد جاءت هذه اللغة لغة شعور وتبدّيات وأحاسيس بعيدة عن المتعارف عليه عند أهل الدين واللغة . ومن ذلك مثلا بعض تعريفات ابن عربي « 2 » : * الاصطلام : « نعت وله يرد على القلب فيسكن تحت سلطانه » . المعروف في اللغة أن صلم الشيء قطعه من أصله . والاصطلام : الاستئصال . فالدلالة اللغوية تدلّ على معنى القطع والحذف والتفريق التام . وهذا الأمر عند المقارنة مع تعريف ابن عربي يبيّن بجلاء انفصال الدلالة التام عن المعنى الصوفي . فشتّان بين حال نفسي ذوقي يشعر به الصوفي يهدأ بعد حلوله وبين القطع والحذف . * التجلّي : « اختبار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغلك عن الحق » . تعرّف اللغة الجلا بجلا القوم عن أوطانهم يجلون إذا خرجوا من بلد إلى بلد وأمر جليّ : واضح . وجلى الشيء : كشفه . وابن جلا : الواضع الأمر . وورد في القرآن الكريم وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ( الليل / 1 - 2 ) . وجاء في تعريفات الجرجاني : ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب . وبالتالي إن الدلالة اللغوية والقرآنية والمصطلحية بيّنت أن اللفظ يدلّ على معنى الوضوح والانكشاف ، وأحيانا على الخروج من مكان إلى آخر . أما التعريف الصوفي فقد ترك هذه الدلالة ولم يبق منها إلا اتصالا ضيّقا دار في إطار اتخاذ الخلوة ممّا يسمح في القول إن الخلوة تعبّر عن انتقال مكاني بالابتعاد عن مكان الاجتماع والانقطاع عنه . ربما ليصل بها الصوفي إلى الانكشاف أو الكشف والإعراض عن كل

--> ( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة ، بيروت ، إحياء التراث ، ص 472 . ( 2 ) نشر رفيق العجم نص التعريفات كاملا في مجلّة الأبحاث الصادرة في الجامعة الأميركية ببيروت العدد 36 ، 1988 م .